كتب أحمد مصطفى، مدير ومؤسس مركز آسيا للدراسات والترجمة في مصر، أن منشأة مصرية لتصدير الغاز الطبيعي المسال أصبحت للمرة الأولى هدفًا مباشرًا منذ بدأت موجات التصعيد المتتالية بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الأخيرة، في تطور يضع قطاع الطاقة المصري في قلب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.
ووفقًا لموقع هارجي، استهدفت طائرة مسيرة، في الساعات الأولى من يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، وحدة التخزين العائمة Energos Winter، المملوكة والمدارة من شركة أمريكية وترفع علم جزر مارشال، أثناء رسوها في ميناء دمياط على البحر المتوسط. وأدى الهجوم إلى اندلاع حريق امتد إلى ناقلة الغاز الطبيعي المسال المجاورة GasLog Salem. وأكدت السلطات المصرية السيطرة على الحريق دون تسجيل إصابات، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى وقت كتابة التقرير.
هجوم دمياط في سياق التصعيد الإقليمي المتصاعد
وقع الحادث في سياق إقليمي لا يمكن تجاهله، إذ جاء بعد ساعات فقط من إعلان القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM تنفيذ ضربات مشتركة مع القوات السعودية استهدفت فصائل مسلحة في العراق اتُّهمت بشن هجمات بطائرات مسيرة على منشآت نفطية سعودية.
وردت طهران بالتحذير من «سوء تقدير» قد يؤدي إلى عواقب خطيرة، في وقت لا تزال فيه منطقة الشرق الأوسط تتعامل مع تداعيات موجة تصعيد سابقة اندلعت في 8 يوليو، عندما شنت القوات الأمريكية ضربات داخل الأراضي الإيرانية عقب هجوم استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز.
وردت إيران على تلك الضربات باستهداف قواعد عسكرية أمريكية في البحرين والأردن وقطر والكويت والإمارات وسلطنة عُمان.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، يبدو أن هجوم دمياط يمثل حلقة جديدة في سلسلة التصعيد الإقليمي، لكنه يظل حادثًا استثنائيًا بالنسبة إلى مصر. فعلى مدى عقود، سعت القاهرة إلى النأي بنفسها عن الاستقطاب العسكري المباشر في المنطقة، بخلاف عدد من دول الخليج التي تحولت بصورة متزايدة إلى ساحات للمواجهة المفتوحة.
ولا يستبعد هذا التفسير بالكامل احتمال وجود دور إسرائيلي غير مباشر، مدفوعًا بالتوتر تجاه تنامي النفوذ الدبلوماسي المصري في ملفات فلسطين وقطاع غزة. فقد واصلت القاهرة دعم حل الدولتين والدفع نحو تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من خارطة طريق السلام التي جرى الاتفاق عليها عقب قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر الماضي.
ويرى الكاتب أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو سعت إلى عرقلة هذه الجهود، مشيرًا إلى أن نتنياهو، الذي صدرت بحقه مذكرات توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية، يواجه اتهامات واسعة بالمسؤولية عن ارتكاب جرائم إبادة جماعية، قال مسؤولون فلسطينيون إنها أسفرت عن مقتل نحو 73 ألف مدني فلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023.
لماذا استُهدف ميناء دمياط؟ الغاز المصري في قلب معادلة الطاقة الإقليمية
عززت مصر خلال العامين الماضيين موقعها بوصفها مركزًا إقليميًا لإسالة الغاز الطبيعي وإعادة تصديره، مدفوعة بوجود مصنعي الغاز الطبيعي المسال في إدكو ودمياط، إلى جانب شبكة من خطوط الأنابيب التي تربط البلاد بإسرائيل وقبرص.
وتمنح هذه البنية التحتية مصر موقعًا متميزًا في شرق المتوسط، بفضل قدرتها الكبيرة على إسالة الغاز ووصولها المباشر إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. وحولت هذه المزايا دمياط وإدكو إلى بوابتين رئيسيتين للغاز القادم من شرق المتوسط، بما يشمل كميات متزايدة من الغاز الإسرائيلي والغاز الفلسطيني المسروق، وفقًا لما أورده الكاتب.
وبحسب تقارير محلية، كانت وحدة Energos Winter وحدها تضخ نحو 450 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا إلى شبكة الغاز الوطنية المصرية، وكانت تستعد لاستقبال أربع شحنات إضافية خلال أغسطس.
ويمنح هذا الدور المتنامي أي هجوم يستهدف البنية التحتية للغاز في مصر أهمية تتجاوز حدود الحادث المباشر، إذ لا يهدد الإمدادات المحلية من الطاقة فحسب، بل يطال أيضًا سلسلة توريد تعتمد عليها أوروبا بصورة متزايدة ضمن استراتيجيتها لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الغاز الطبيعي الروسي.
ثلاثة سيناريوهات وراء الهجوم وتأثيره على أسواق الطاقة العالمية
لم تعلن أي جهة رسميًا مسؤوليتها عن الهجوم حتى وقت كتابة التقرير، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام عدة تفسيرات. ويرى السيناريو الأول ضرورة عدم الإسراع في تحميل إيران أو حلفائها الإقليميين مسؤولية الهجوم، إذ قد يكون الغموض المحيط بالحادث وغياب إعلان المسؤولية مقصودًا، بما يسمح للجهة المنفذة بزعزعة الاستقرار المصري دون تحمل تكلفة سياسية فورية.
ويشمل هذا الاحتمال جهات تتنافس على مسارات الطاقة في شرق المتوسط، فضلًا عن جماعات محلية أو عابرة للحدود تتحرك وفق أجندات لا ترتبط مباشرة بالصراع الأمريكي الإيراني. واتخذ المسؤولون المصريون أنفسهم موقفًا حذرًا، إذ حذر وزير الإعلام من «التسرع في اتهام أي طرف»، بينما أشار مسؤول سابق إلى أن «جهات معينة تسعى إلى جر مصر إلى الصراع»، بما قد يعني أن الهدف من الهجوم كان دفع القاهرة إلى مواجهة إقليمية طالما سعت إلى تجنبها.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق باحتمال وجود دور إسرائيلي أو مشاركة حلفاء لإسرائيل، وهو احتمال خطير يُقال إنه يُناقش في دوائر تحقيق غير معلنة. وتركز التحليلات السائدة، المدعومة من روايات مؤيدة لإسرائيل والولايات المتحدة، على الاشتباه في إيران أو جهات مرتبطة بها ضمن سياق الصراع الجاري، بدلًا من توجيه الاتهام إلى تل أبيب، خصوصًا أن إسرائيل ترتبط بشراكة في مجال الطاقة مع مصر، ما يجعل استهداف محطة تصدير مصرية للغاز ضارًا بمصالحها في قطاع الغاز الطبيعي.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن هذا السيناريو، شأنه شأن جميع الاحتمالات الأخرى، يجب أن يخضع في النهاية لنتائج التحقيقات الرسمية التي لا تزال جارية.
ويشير الكاتب إلى تحذيرات متكررة بشأن زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، إذ غالبًا ما أعقبت تلك الزيارات موجات من عدم الاستقرار الإقليمي، بحسب هذا التحليل. ويرى أصحاب هذا الطرح أن نتنياهو يسعى إلى إطالة أمد الصراع مع إيران لتعزيز موقعه السياسي داخليًا وضمان استمراره في السلطة، إلى جانب دفع أهداف إسرائيل الاستراتيجية طويلة الأمد المتعلقة بتحييد إيران وتحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى».
وفي هذا الإطار، يرى بعض المحللين أن هناك جهودًا أوسع لإضعاف مصر وتركيا، مستشهدين بتصريحات نُسبت إلى مسؤول سابق في جهاز الموساد خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية. ووفقًا لهذا التحليل، قد تخدم هذه الاستراتيجية أيضًا تحويل الاهتمام الدولي بعيدًا عن ملف غزة وقضية إقامة الدولة الفلسطينية، في وقت كثفت فيه مصر تحركاتها الدبلوماسية بشأن القضية الفلسطينية.
أما السيناريو الثالث، فيربط الهجوم مباشرة بموجة التصعيد الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. ووفقًا لما أورده المقال نقلًا عن صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مصدرين إيرانيين، ربما استهدف الهجوم توجيه رسالة مفادها أن حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة قد تواجه اضطرابات أعمق إذا قررت طهران أو حلفاؤها تصعيد المواجهة. غير أن المصدرين لم يحددا الجهة التي نفذت الهجوم أو الموقع الذي أُطلقت منه الطائرة المسيرة.
وبصرف النظر عن الجهة التي نفذت العملية، فإن اختيار الهدف يحمل عدة رسائل مهمة. فاستهداف ما يصفه المقال بأنه أول أصل للطاقة مملوك لشركة أمريكية على الأراضي المصرية قد يوجه رسالة إلى واشنطن مفادها أن الخطر لا يقتصر على منشآتها العسكرية في الخليج، بل يمتد أيضًا إلى حضورها الاقتصادي في المنطقة.
أما بالنسبة إلى مصر، التي اتبعت باستمرار سياسة تقوم على ضبط النفس والحياد الاستراتيجي، فيكشف الحادث أن موقعها الجغرافي، المحاذي لبعض أهم ممرات الطاقة والملاحة في العالم، لم يعد يوفر لها حصانة من الصراعات الدائرة حولها.
وعلى مستوى الأسواق العالمية، يشير الهجوم إلى اتساع النطاق الجغرافي المحتمل للاضطرابات، بحيث يتجاوز مضيق هرمز والخليج العربي ويمتد إلى شرق المتوسط، ما قد يرفع أقساط التأمين على سفن الشحن والبنية التحتية الحيوية للطاقة في منطقة لطالما اعتُبرت أكثر أمنًا نسبيًا.
مصر تتعامل بحذر مع الهجوم وتؤكد عدم الانجرار إلى التصعيد
تعاملت الحكومة المصرية مع الحادث بحذر ومهنية إجرائية واضحة، وركزت بصورة أساسية على إدارة الأزمة بدلًا من تحويلها إلى مواجهة سياسية. وأكد مجلس الوزراء أن الحريق اندلع نتيجة هجوم بطائرة مسيرة، دون تحميل أي جهة محددة المسؤولية، مشددًا على استمرار التحقيقات لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية مصالح مصر وأمنها القومي.
ووصف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي طريقة التعامل مع الحادث بأنها اختبار لقدرة الدولة على إدارة الأزمات، وأشاد بفرق الطوارئ التي نجحت في إبعاد السفينتين المشتعلتين عن الميناء، ما حال دون وقوع كارثة أكبر.
وتحدث رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي عن الحادث علنًا للمرة الأولى خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أكد خلاله أن الجهات المختصة تجري تحقيقًا شاملًا، وحذر من مخاطر تصاعد التوترات الإقليمية، وشدد على أهمية تعاون مصر والمجتمع الدولي لاحتواء الأزمة والالتزام بالحلول السلمية.
ويعكس هذا النهج الدبلوماسي المتزن، الذي يتجنب توجيه اتهامات مباشرة ويركز على خفض التصعيد، إصرار القاهرة على عدم الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع رغم تعرض أراضيها لهجوم مباشر.
كما أعربت دول خليجية عدة عن تضامنها الكامل مع مصر، وأكدت دعمها لجهود القاهرة الرامية إلى حماية أمنها القومي وسيادتها.
هجوم دمياط يرفع مخاطر اضطراب أسواق الغاز العالمية
وقع حادث دمياط في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية ضغوطًا كبيرة. فقد اقترب سعر خام برنت من 90 دولارًا للبرميل عقب تصعيد 8 يوليو، بينما تجاوز مؤشر الغاز الطبيعي الأوروبي TTF مستوى 700 دولار لكل ألف متر مكعب للمرة الأولى منذ مارس.
وقد يؤدي أي اضطراب إضافي يؤثر في محطة مصرية لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى تعزيز الاتجاه الصعودي للأسعار. وتعتمد أوروبا بصورة متزايدة على الغاز الطبيعي المسال المصري ضمن استراتيجيتها الأوسع لتنويع الإمدادات بعيدًا عن الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب، ما يعني أن أي توقف مؤقت في البنية التحتية المصرية للتصدير قد يزيد المخاوف بشأن أمن الإمدادات.
كما يضيف الحادث مخاطر جيوسياسية إلى تكاليف التأمين المفروضة على السفن العاملة في شرق المتوسط. وقد تؤدي زيادة المخاطر المتصورة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين لناقلات الغاز الطبيعي المسال في المنطقة، حتى إذا خلصت التحقيقات لاحقًا إلى أن الهجوم كان حادثًا منفردًا من غير المرجح تكراره.
كيف يمكن منع تكرار هجمات مماثلة؟
ينبغي لمصر، أولًا، تعزيز قدراتها في مجال الدفاع الجوي قصير المدى وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة حول منشآت الطاقة الاستراتيجية على ساحل البحر المتوسط، بما يشمل نشر شبكات رادار متقدمة للإنذار المبكر وأنظمة اعتراض منخفضة التكلفة قادرة على تحييد الطائرات المسيرة الصغيرة قبل وصولها إلى البنية التحتية الحيوية.
كما ينبغي توسيع آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية إقليميًا بين مصر والدول المجاورة، ومنها قبرص واليونان وتركيا، في ظل الترابط المتزايد بين البنية التحتية للغاز في شرق المتوسط والأهمية الاستراتيجية المشتركة لحماية ممرات الطاقة في المنطقة.
ونظرًا إلى أن وحدة التخزين العائمة المستهدفة مملوكة لشركة أمريكية، يرى الكاتب أن واشنطن ينبغي أن تسهم في تمويل وتحديث إجراءات حماية هذه البنية التحتية الحيوية، بدلًا من الاكتفاء بتصريحات تفيد بأنها تراقب الوضع.
وربما الأهم من ذلك، يظل خفض دائرة التصعيد الإقليمي بين واشنطن وطهران الضمان المستدام الوحيد لمنع وقوع حوادث مماثلة مستقبلًا. فقد تحد الإجراءات الأمنية الفنية والمحلية من المخاطر المباشرة، لكنها لن تقضي عليها ما دامت الدوافع الجيوسياسية للصراع قائمة دون حل.
هجوم دمياط يكشف هشاشة أمن الطاقة في شرق المتوسط
يكشف حادث دمياط بوضوح أن الحياد الجغرافي وحده لم يعد كافيًا لحماية دولة أصبحت عقدة محورية في شبكة الطاقة العالمية. ومع تحول مصر إلى مركز رئيسي لإسالة الغاز الطبيعي وإعادة تصديره إلى الأسواق الدولية، باتت منشآتها الحيوية جزءًا من معادلة أمن الطاقة الإقليمية والعالمية، ما يجعل حماية هذه البنية التحتية مسؤولية تتجاوز حدود القاهرة لتشمل شركاءها الإقليميين والدوليين.
ويشير الهجوم كذلك إلى أن تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط قد تمتد إلى مناطق كانت تُعد أكثر استقرارًا نسبيًا، وأن أمن ممرات الطاقة والشحن في شرق المتوسط أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمسار التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة.
https://harici.com.tr/en/egypt-under-fire-what-does-the-damietta-strike-mean-for-global-energy-markets/?amp=1

